محمد سعيد رمضان البوطي
337
فقه السيرة ( البوطي )
وأنت إذا رجعت إلى ما قبل هذه الآيات وما بعدها ، رأيت فيها اهتماما غريبا بشأن المنافقين والحديث عنهم والتحذير منهم ، وما ذلك إلا لأن المسلمين لا يؤتون في معظم ما يصيبهم من نكبات ، إلا من قبل المنافقين ، فلا يتسنى لعدوهم أن يتسلل إليهم إلا من خلال ثغرات النفاق والمنافقين ، ولا ينخدع المسلمون بعدوّ لهم كما ينخدعون للمنافقين منهم ، ولا يصابون بعدوى الضعف والخبال والتفرق كما يصابون به من قبل المنافقين ، وصدق اللّه تعالى إذ يقول : لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 47 ) [ التوبة : 47 ] . ومكمن الخطورة فيهم ، أنهم إنما يحاربون الإسلام باسمه ، ويكيدون له بسلاحه ، يتلاعبون بما فيه من أحكام باسم الإصلاح والمرونة والتمسك بروح التشريع ويستخرجون منه الفتاوى الملفقة المصطنعة تحقيقا لأمانيهم أو تقربا إلى أسيادهم وأولياء نعمتهم . والعظة التي ينبغي أن يأخذها المسلمون من هذا الدرس ، هو أن يحذروا عدوّهم الخارجي مرة على أن يحذروا المنافقين فيهم ألف مرة ، وأن يحاربوا أول ما يحاربون . . ما قد يشيع بينهم من النفاق . 4 - ( الجزية وأهل الكتاب ) ، في هذه الغزوة دليل على مشروعية أخذ الجزية من أهل الكتاب ، وأنهم يحرزون بذلك دماءهم وأموالهم ، فقد رأيت أن الروم اختفوا وتفرقوا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حينما وصل إلى تبوك ، وجاءه متنصرة العرب فصالحوه صلى اللّه عليه وسلم على الجزية ، وكتب لهم عليه الصلاة والسلام بذلك كتابا . والجزية ضريبة مالية تقوم بالنسبة لأهل الكتاب مقام الزكاة بالنسبة للمسلمين والفرق الذي بينها وبين الزكاة أن الجزية تقوم على أساس قضائي مجرد ، على حين تقوم مشروعية الزكاة على أساس من الديانة والقضاء معا . ويعتبر الخاضعون لحكم الجزية داخلين في حكم الإسلام القضائي في المجتمع الإسلامي وإن لم يدينوا به عقيدة في نفوسهم ، ولذلك فإن عليهم أن لا يجاهروا في مخالفة شيء من قوانينه وأحكامه العامة إلا ما يتدينون من ذلك بخلافه في زعمهم كشرب الخمر ونحوه . هذا ، والفرق بين الكتابيين وغيرهم من الملاحدة والوثنيين في أمر الجزية ، هو أن الكتابيين يمكنهم أن ينسجموا مع المجتمع الإسلامي ونظامه العام مع احتفاظهم بما يدينون ، أما الملاحدة والوثنيون وأشباههم فلن تجد بينهم وبين المجتمع الإسلامي قدرا